الصحافة
في الصحافة.
مقالات، نقد، وملف صحفي.
شهادة
تناسج الدراماتورجيا عند أمين ناصر
الدكتور الناقد خالد أمين · ناقد وباحث
برز أمين ناصر بوصفه مخرجًا بارزًا في المشهد المسرحي المغربي المعاصر خلال العشر سنوات الأخيرة، حيث يُعرف بأسلوبه المبتكر الذي يجمع بين التأثيرات المتنوعة والبحث الدائم عن أشكال تعبيرية جديدة. تتناول هذه الوقفة رحلة ناصر المسرحية وتسعى إلى فهم المؤثرات الرئيسية التي شكلت رؤيته الفنية وتجاربه العملية والأكاديمية ومنهجه المتميز في صناعة المسرح، وصولًا إلى تطلعاته نحو تطوير شكل مسرحي مغربي فريد مستوحى من تقاليد الميوزيك هول.
يقع عمل ناصر في صميم النقاشات الدائرة حول التناسج المسرحي والهوية الثقافية في المغرب والعالم العربي، مما يجعله نموذجًا هامًا لفهم تطور المسرح المغربي المعاصر وتناسجه مع التيارات المسرحية المحلية والعربية والعالمية. تتعدد الروافد التي استقى منها أمين ناصر أسس تجربته المسرحية، ويمكن تحديد ثلاثة أعمدة رئيسية شكلت هذه الأسس: أولًا، الإرث الفني للطيب الصديقي، رائد المسرح المغربي الحديث؛ ثانيًا، النظريات المسرحية لبرتولد بريشت، وخاصة فيما يتعلق بالمسرح الملحمي وتوظيف الدراماتورجيا الموسيقية بعمق أدائي؛ ثالثًا، جاذبية فن الميوزيك هول بوصفه شكلًا ترفيهيًا شعبيًا يمتلك إمكانات كبيرة للتعبير النقدي والاجتماعي والوصول إلى أوسع قاعدة جماهيرية. إن هذا التناسج بين مرجعيات مغربية راسخة، وتأثيرات أوروبية بارزة، وشكل فني ذي طبيعة شعبية، يشير إلى سعي ناصر لإنشاء لغة مسرحية فريدة قادرة على مخاطبة جمهور متنوع والتعبير عن قضايا معاصرة بأساليب مبتكرة.
يعد ناصر نفسه امتدادًا لمدرسة الطيب الصديقي، حيث عمل معه في فرقة مسرح الناس في بداية مشواره — الصيغة الثانية من مسرحية الحراز. ومن خلال عمله مع الصديقي، اكتسب ناصر خبرة عملية قيمة في مجال المسرح، وتعرف على أساليب إخراج وتمثيل مبتكرة، إضافة إلى فهم عميق لأهمية ربط المسرح بقضايا المجتمع وهموم الناس. إن انتماء ناصر إلى "مدرسة الطيب الصديقي" يعكس تقديره لإسهامات هذا الرائد المسرحي وسعيه للبناء على منجزه الفني انطلاقًا من الاستيعاب في أفق التجاوز. إن تجربة ناصر الذي ما فتئ يؤكد أن العرض المسرحي هو نسيج لمكوّنين أساسيين: فكرة النص (وليس النص برمته) وأغنية أو موسيقى ملهمة، متأثرًا بالجماليات المسرحية الصديقية منذ تجربة الحراز في صيغتها الثانية التي أعدها الطيب الصديقي للقناة الثانية.
ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى ملاحظة تتعلق بمشروع الصديقي المتأخر الموسوم بـ"البساط الترفيهي" الذي انطلق فيه من استشكال وحدة الموضوع بوصفها قانونًا ناظمًا لكتابة النصوص المسرحية في العالم بأسره. باقتراحه مسرح "الكشكول"، مكوّنًا من لوحات متنوعة — ساخرة، راقصة، غنائية، سياسية — كان الصديقي يتخيل شكلًا مسرحيًا شاملًا وحرًا قادرًا على احتضان تعددية التعبير الإنساني. هذه الاستعارة الكشكولية، المستوحاة من وعاء الكفيف المتسول، ترمز إلى مسرح متعدد الوظائف، منفتح على تنوع السجلات والقيم. ويمتد ناصر في هذه الرؤية بتطوير مسرح شامل، فضاء التقاء بين الموسيقى والحركة والكلمة، حيث يصبح التشظي مبدأً للوحدة والتقطّع مصدرًا للتماسك.
في بداية تكوينه الأكاديمي، انجذب ناصر بشدة إلى نظريات برتولد بريشت، وخاصة فيما يتعلق باستعمال الموسيقى في مسرحية "أوبرا القروش الثلاث". لقد أثارت أفكار بريشت حول المسرح الملحمي، وتقنية التغريب، ودور الموسيقى في خلق مسافة نقدية لدى المتفرج، اهتمام ناصر العميق. إن تركيز بريشت على استخدام الموسيقى ليس فقط كعنصر ترفيهي بل بوصفها أداة للتعليق النقدي وإثارة التفكير، كان له تأثير كبير على تصور ناصر لدور الموسيقى في المسرح.
ويمثل فن الميوزيك هول عنصرًا ثالثًا هامًا في تشكيل رؤية ناصر المسرحية. يتميز هذا النوع من العروض بتقديمه لمجموعة متنوعة من الفقرات الفنية، بما في ذلك الأغاني والرقصات والمشاهد الكوميدية، وغالبًا ما يتضمن تفاعلًا مباشرًا مع الجمهور. إن انجذاب ناصر إلى الميوزيك هول نابع من طبيعته الشعبية وقدرته على الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور، بالإضافة إلى إمكاناته الكبيرة في تقديم تعليق اجتماعي ساخر من خلال الأغاني والمشاهد القصيرة. ويتشابه ذلك مع أشكال فرجوية عريقة في المغرب، مثل "فرجة البساط" والحلقة، حيث تلتقي الكلمة والأغنية والسخرية في ديناميكية مشتركة من المشاركة والارتجال.
وتبقى تجربة ناصر مع فرقة مسرح الناس للطيب الصديقي مرحلة حاسمة في تطوره الفني، حيث اكتسب خبرة عملية في تطبيق المفاهيم المسرحية على أرض الواقع. كان مشروع تخرج ناصر يجمع بين السخرية وهدم المثاليات والموسيقى، وهو ما أثر بشكل كبير على مساره المسرحي. إن استخدام السخرية كأداة للتعليق النقدي، إلى جانب تفكيك الأفكار والمفاهيم التقليدية، وبالتكامل مع الموسيقى، يشير إلى رؤية مسرحية واضحة المعالم تسعى إلى تحفيز الوعي لدى الجمهور ودفعه إلى التساؤل. من هنا طوّر ناصر فكرة "العرض الحر"، المتحرر من قيود النص ومن الأعراف الدرامية التقليدية.
في هذا المسرح الحر، يتجاوز مفهوم النص المسرحي المفهوم الأدبي التقليدي ليصبح نسيجًا متشابكًا من "نصوص" متعددة، يساهم بها كل عضو في الفريق. فالمؤدي، بدلًا من أن يكون مجرد منفذ لتعليمات المخرج، يُقدم نصًا خاصًا به من خلال جسده وحركته وصوته؛ والسينوغراف لا يُنشئ مجرد خلفية بصرية، بل يخلق نصًا دلاليًا عبر الفضاء والألوان والإضاءة والأصوات؛ وبالمثل، يُعد المؤلف الموسيقي مُنشئًا لنص صوتي يُعزز الأجواء ويُعمق التجربة الحسية. أما المخرج ناصر في هذا السياق، فيتحول دوره من مفسّر وحيد للنص الأدبي إلى مُنسّق ومُحفّز لهذا التناغم النصي المتعدد. ويذكّرنا ذلك بتصور هانز-ثيس ليمان عن المسرح ما بعد الدرامي، حيث تُفهم الخشبة بوصفها فضاء كتابة جماعية متواصلة وتفاعلٍ دائم.
إن إدراك ناصر لتغير توقعات الجمهور يعكس وعيًا بضرورة تكيف المسرح مع التحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة. الجمهور المعاصر، الأكثر حركية ونقدية، يبحث عن تجارب مسرحية أكثر ديناميكية وتنوعًا وغمرًا، تتجاوز الأشكال التقليدية وتقدم له تجارب مشاهدة مبتكرة ووجهات نظر جديدة ومثيرة للتفكير. يؤكد ناصر على منهجه في المسرح الذي يمزج بين النص والموسيقى، مع التأكيد على أهمية الموسيقى الحية والإيقاع وانسيابية الجسد الفرجوي. إن هذا المنهج الشامل يشير إلى رؤية مسرحية متكاملة لا تعد الموسيقى مجرد عنصر ثانوي أو تكميلي، بل جزءًا أساسيًا من النسيج الدراماتورجي.
وهكذا يُجسّد مسار ناصر ولادة دراماتورجيا التناسج: فنٌّ للقاء بين الموروثات، وفضاءٌ للتقاطع بين الشعبي والعالم، بين الذاكرة والحداثة. ويتأكّد عمله بوصفه تجريبًا متواصلًا للمسرح المغربي في أعمق تجلياته حيويةً وكونية.